فوزي آل سيف
46
نساء حول أهل البيت
خصوصاً إذا قام أولئك الطغاة بزيادة المعاناة فشتتوا الشمل ، وصادروا الأملاك .. وإذا كانت الملوك والرؤساء تبدأ حكمها وعهدها بشيء من الرحمة ، وإذا حلت في منطقة أعطت أهلها ما يبقي في أنفسهم ذكرى طيبة ، ويتمنون في أنفسهم أن تتكرر زيارة هذا الحاكم للمنطقة ، فإن المنصور العباسي خالف حتى هذا التقليد ، دع عنك أمور العدل ، والرحمة الإسلامية وحفظ صلات الرحم .. فإنه بعد أن زار مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد أمر عامله قبلئذ بسجن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، وإخوته حتى يخرجوا له محمد وإبراهيم ابني عبد الله ، وكان المنصور أيضاً قد بايع لمحمد بن عبد الله ( في نهاية أيام الأمويين ) ، وبدلا من إكرامه ـ إمامه الذي بايع له ـ ها هو يفتش عنه للقبض عليه وإعدامه ، فاختفى محمد واستعد للقيام ضده ، ولما لم يجده المنصور قام باعتقال جماعي لأسرة أبيه ، بعد أن أوقع بعبد الله في حيلة من حيل جواسيسه .. وسجن آل الحسن في مدينة جدهم رسول الله . ثم لما جاء المدينة استعرضهم بالضرب والجلد وأمر أن يحملوا إليه مغللين ومقيدين ، بينما كانت المرأة الصالحة زينب بنت عبد الله تندب أباها وأهلها حين حملوا قائلة : واعبرتاه من الحديد والعباء والمحامل المعراة . الزوج الصامد والمرأة الثاكل : وكان ممن سجن معهم زوجها علي بن الحسن المثلث ، الذي كان يقال له علي الخير والأغر والعابد ، ولقد أبدى من صلابة النفس ، وقوة الداخل ما يعجز عنه غيره ، فقد أتي آل الحسن بأقياد يقيدون بها ، وكان علي بن الحسن هذا قائماً يصلي ، بينما كان في الأقياد قيد ثقيل فجعل كلما قرب إلى رجل تفادى منه واستعفى ، فانفتل علي من صلاته وقال : لشد ما جزعتم ! شرعه هذا ..ثم مد رجليه فقيد به . وبعد مدة لما اتسعت حلق القيود على أثر الضعف الذي أصابهم من الجوع والأذى ، يقول بعضهم : كنا إذا أردنا صلاة أو نوماً خلعناها عنا فإذا خفنا دخول الحرس أعدناها وكان علي بن الحسن لا يفعل ذلك ، فقال له عمه : ما يمنعك يا بني أن تفعل ؟ قال : لا والله لا أخلعه أبداً حتى أجتمع أنا وأبو جعفر عند الله فيسأله لمَ قيدني به ؟ وكان المطبق الذي حبسوا فيه ستين ليلة لا يعرفون الليل من النهار ، وما كانوا يعرفون أوقات الصلاة إلا بأجزاء يقرؤها علي بن الحسن المثلث .